مدونة
16 تشرين الثاني 2025


ويعد خير دليل على ذلك حصول ثلاثة اقتصاديين هم بيتر هاويت، وفيليب أجيون، وجويل موكير هذا العام على جائزة نوبل، نظرًا لجهودهم في توضيح علاقة الابتكارات التكنولوجية بتحقيق النمو المستدام، وهو ما يعكس دور الابتكار في نهضة الأمم وتقدمها الاقتصادي والاجتماعي، ولكن يظل الإبداع مصدرًا للابتكار، وبالتالي بناء إنسان مبدع هو أساس الابتكار. ويتطلب ذلك بدوره نظامًا تعليميًا فعّالًا يفضي إلى هذه الثمار بغض النظر عن آلية التطبيق التي يجب أن تظل ديناميكية.
في بداية القرن العشرين كان التعليم العام ضروريًا لتلبية الطلب المتزايد على العمالة اللازمة لتحقيق معدلات إنتاجية عالية، ولكن مع التقدم التكنولوجي الهائل والدخول في الثورة الصناعية الرابعة حيث تنتشر التقنيات، بما في ذلك الروبوتات، والذكاء الاصطناعي (AI)، والطباعة ثلاثية الأبعاد 3D Printing، وإنترنت الأشياء IoT (انظر الشكل رقم 1) ستتغير الوظائف والمهارات بشكل جذري.
ومن هذا المنطلق، يجب أن تركز المؤسسات التعليمية بشكل أساسي على بناء رأس المال البشري من خلال تخريج المبدعين والمبتكرين القادرين على إضافة قيمة إلى الشركات والمؤسسات التي يعملون بها أو أعمالهم التجارية الخاصة أو أي من الجهات الفاعلة في منظومة الابتكار الوطني، والتي تشمل المؤسسات الأكاديمية والبحثية والمؤسسات الحكومية على اختلاف أنظمتها (انظر الشكل 2). لذلك فإن التعامل مع التعليم في سياق منظومة الابتكار الوطني يمكن أن يعظم من قيمة التعليم ويضمن الانسجام بين الجهات الرئيسية الفاعلة داخل هذه المنظومة [4].
ما زال النقاش دائرًا بين الأكاديميين حول دور الذكاء الاصطناعي في التعليم ومستقبله وما تحتاجه المنظومة التعليمية لتمكين المتعلمين من الحصول على المهارات اللازمة في المستقبل القريب والبعيد. ومن ثم، هناك حاجة إلى وجود إطار ابتكار اجتماعي[8] وثورة موازية في التعليم[9] كما سماها سيلدون وأبيدوي ثورة التعليم الرابعة
، حيث يتفكك نظام التدريس التقليدي الحالي الذي ينتمي إلى سلطة المحاضر كصاحب السلطة على الموضوع وبيئة التعلم.
وعليه، يجب التركيز على تطوير مناهج مبتكرة في التدريس والتعلم لتزويد الطلاب بالمهارات العملية اللازمة، خاصة تلك المتعلقة بالرقمنة والثورة الصناعية الرابعة. كما ينبغي استكمال هذه المهارات التقنية بمهارات سلوكية واجتماعية تمنح ميزة للخريجين في عالم المستقبل والذي يمكن فيه للآلات تقديم أداء أفضل من البشر. وتشمل هذه المهارات الإبداع وحل المشكلات والتعاطف والتعاون. ويبدو أن التعاون بين البشر والآلات هو السيناريو الأكثر نجاعة؛ حيث من المرجح أن تظهر ديناميكيات جديدة للتكامل وتعزيز القيمة بين الاثنين حتى في مجالات إدراكية متقدمة مثل المهام التي تحتاج إلى إبداع [10].
ولذلك من الضروري اعتماد منهجيات حديثة ومبتكرة في التعليم يمكن أن تسهم في معالجة جزء من هذه التحديات، ولعل أهمها منهجية التعلم القائم على المشروع أو المشكلة، ضمن البرامج الأكاديمية والموضوعات التي يتم تدريسها؛ حيث يتم تصميم المشاريع لتمكين المتعلمين من التدرب بشكل عملي يسمح لهم بالعمل معًا على معالجة المشكلة، بينما يقتصر دور المعلم على التوجيه والتيسير.
خبرتي في مجال التعليم والابتكار
بعد انتقالي للعمل في معهد الكويت للأبحاث العلمية في دولة الكويت، تحول اهتمامي إلى دراسة الابتكار على المستوى الوطني وليس فقط على مستوى المؤسسات والشركات. وأنجزت عدة مشاريع في هذا المجال بالإضافة إلى مشاريع بحثية مشتركة متعلقة بالتعليم والابتكار في فلسطين والأردن. وخلال رحلتي الأكاديمية والبحثية وتطوعي مع مؤسسات تعنى بالابتكار والتعليم، أتيحت لي الفرصة في أكثر من مناسبة للاطّلاع عن كثب على تجارب متنوعة لدول صغيرة ومتوسطة استطاعت النهوض بسرعة بفضل استثمارها في التعليم والابتكار، وكان آخرها جولة علمية هذا العام مع وفد من مؤسسة القدومي اطلعنا خلالها على تجربة دولة استوينا في هذا المجال.
يزداد تأثير التطور السريع للتغيرات التكنولوجية والاجتماعية على كل القطاعات، بما في ذلك التعليم، وبصفة خاصة التعليم عالي الجودة ميسور التكلفة. وبالتالي، هناك حاجة ماسة إلى إعادة التفكير في نظام التعليم في فلسطين كجزء من منظومة الابتكار الوطني، والتي يمكن أن تساهم في معالجة فجوة المهارات وتقوية العلاقات الأكاديمية والصناعة. ويمكن البناء على ثقافة حب التعليم المتجذرة بين الفلسطينيين وتحقيق إنجازات كبيرة كما فعلت العديد من البلدان التي حققت قفزات في التنمية الاقتصادية، مثل نمور آسيا، وذلك بتصميم منظومة ابتكار وطني فعالة تلعب فيها المؤسسات التعليمية الدور الأكبر في خطة التنمية الاقتصادية القائمة على العلم والتكنولوجيا والابتكار. وفي هذا الصدد، يجب تطوير استراتيجية ابتكار وطنية كرافعة للتنمية تستجيب لاحتياجات المجتمع الفلسطيني وتتعامل مع التحديات التي تواجهه والمعوقات التي تفرض عليه. ولا شك أن الاستثمار في الرقمنة في الحالة الفلسطينية هو ضرورة ملحة تخدم أهداف تنموية متعددة، على أن تكون هذه الجهود ضمن عمل مؤسسي متكامل كالحالة الإستونية.
أما على صعيد التعليم فلا يكفي تصميم توجهات واستراتيجيات عامة، بل لا بد من إجراء تدخلات جوهرية وتعديلات جزئية وتفصيلية فيما يتعلق بالدراسة والتعلم حيث يمكن لأساليب التدريس المبتكرة مثل التعلم القائم على المشروعات العملية أن يحقق نتائج التعلم المرجوة. وأخيرًا، يجب تصميم العملية التعليمية بمرونة عالية تتجاوز الفصول الدراسية التقليدية، وإعطاء مساحة أكبر للتعلم المدمج وتوظيف التكنولوجيا لتحقيق تعليم يلائم الاحتياجات الخاصة لكل متعلم.
المراجع
- McMillan M, Rodrik D, Sepulveda C. Structural Change, Fundamentals and Growth: A Framework and Case Studies [Internet]. Cambridge, MA: National Bureau of Economic Research; 2017 May [cited 2025 Oct 22]. p. w23378. Report No.: w23378. Available from: http://www.nber.org/papers/w23378.pdf
- Hazan et al. The race to deploy generative AI and raise skills | McKinsey [Internet]. [cited 2025 Oct 14]. Available from: https://www.mckinsey.com/mgi/our-research/a-new-future-of-work-the-race-to-deploy-ai-and-raise-skills-in-europe-and-beyond#/
- Arman H, Al-Fulaij S, Al-Qudsi S, Alawadhi A, Al Ali M. COVID-19 effect on accelerating technology and innovation in businesses. Organizations and Markets in Emerging Economies. 2024;15(1 (30)):27–50.
- Mowery DC, Sampat BN. Universities in national innovation systems. In: 2009. p. 209–39.
- Morrar R, Arman H. The transformational role of a third actor within the Triple Helix Model – the case of Palestine. Innovation: The European Journal of Social Science Research. 2024 Apr 2;37(2):340–60.
- Arman H, Al-Qudsi S. A strategic framework to analyse the East Asian miracle within triple helix model–lessons for Kuwait. Journal of Science and Technology Policy Management. 2024;15(2):244–67.
- Arman H, Iammarino S, Ibarra-Olivo JE, Lee N. Systems of innovation, diversification, and the R&D trap: A case study of Kuwait. Science and Public Policy. 2022 Apr 16;49(2):179–90.
- Morrar R, Arman H, Mousa S. The Fourth Industrial Revolution (Industry 4.0): A Social Innovation Perspective. 2017;7(11).
- Arman H. Evolving Higher Education: Challenges and Opportunities on the Horizon. Journal of Modern Educational Research. 2023;2(13).
- Pedota M, Piscitello L. A new perspective on technology-driven creativity enhancement in the Fourth Industrial Revolution. Creativity and Innovation Management. 2022;31:109–22.